قفزت أسعار الذهب بأكثر من 37% منذ بداية العام الحالي، وحطمت الأرقام القياسية بأكثر من 20 مرة في نفس الفترة. ويُعزى هذا الصعود القوي إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية التي رفعت من جاذبية المعدن النفيس كملاذ آمن للمستثمرين. ونعرض في هذا المقال أبرز هذه العوامل والأسباب:
1: تعزيز احتياطيات البنوك المركزية
استمرت البنوك المركزية في تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس رغم ارتفاع الأسعار. وخلال شهر يوليو، أضافت هذه البنوك نحو 10 أطنان إلى احتياطياتها العالمية، مما يعكس استمرار الطلب الرسمي على الذهب كأصل استراتيجي يوفر حماية ضد التقلبات الاقتصادية، وفقاً لأحدث بيانات مجلس الذهب العالمي.
على سبيل المثال، زاد البنك الوطني الكازاخستاني احتياطياته بمقدار 3 أطنان، في حين أضاف كل من البنك المركزي التركي وبنك الشعب الصيني والبنك الوطني التشيكي نحو طنين لكل منهم خلال شهر يوليو. وفي خطوة مشابهة، رفع البنك المركزي الصيني احتياطياته من الذهب للشهر العاشر على التوالي، حيث ارتفعت السبائك التي يحتفظ بها البنك إلى 74.02 مليون أوقية خلال أغسطس الماضي. وبدأت الصين هذه الجولة من مشتريات الذهب في نوفمبر، حيث تراكمت لديها ما مجموعه 1.22 مليون أونصة خلال هذه الفترة.
2: التوترات التجارية
من بين أبرز العوامل التي أدت إلى ارتفاعات قياسية في أسعار الذهب، هي الرسوم الجمركية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال العام الجاري، والتي قرر فرضها على بعض الشركاء التجاريين. وكانت لهذه الرسوم التأثير السلبي على الأسواق المالية. هذا المناخ دفع المستثمرين إلى اللجوء إلى الذهب كملاذ آمن، مما عزز الطلب على المعدن النفيس وأسهم في ارتفاع أسعاره .
3: التوترات الجيوسياسية
لعبت التوترات الجيوسياسية دورًا محوريًا في تحديد اتجاهات أسواق الذهب عالميًا. فالحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا والاضطرابات في الشرق الأوسط تزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادية والسياسية، ما يعزز توجه المستثمرين نحو الذهب كخيار استراتيجي يحمي أصولهم. كما تسهم هذه الاضطرابات في تعزيز الطلب طويل الأجل على المعدن النفيس من قبل المؤسسات المالية والبنوك المركزية، مما يدعم الأسعار ويرفعها بشكل مستدام.
4: ضعف الدولار الأمريكي
يُعد تراجع قوة الدولار أحد العوامل الأساسية وراء ارتفاع أسعار الذهب منذ بداية العام. جاء هذا الضعف نتيجة توقعات المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي سيضطر إلى خفض أسعار الفائدة لدعم سوق العمل المتراجع، ما قلل من جاذبية الدولار. فقد انخفض مؤشر الدولار الأمريكي بحوالي 10% منذ بداية العام الجاري ، بينما هبطت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات وسنتين، في انعكاس مباشر لتغيرات السياسة النقدية المتوقعة. هذا التراجع يرفع من حجم الطلب على الذهب ويدفع بأسعاره للارتفاع على المستوى العالمي.
لقد قوض ترامب الثقة في استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي من خلال الضغط أولاً على رئيس البنك جيروم باول لخفض أسعار الفائدة، ثم ادعاء أنه أقال محافظة الفيدرالي ليزا كوك – مما أرسل تحذيرًا صارخًا إلى أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بأنه ما لم يمتثلوا لمطالبه بخفض أسعار الفائدة، فإن مواقفهم قد تكون في خطر.

من الناحية الفنية، شهد الذهب ارتفاعًا ملحوظًا بعد تمكنه من اختراق المثلث المتماثل والثبات فوقه، مما دعم اتجاهه الصاعد. ويستهدف المعدن الأصفر حاليًا الوصول إلى المستهدف الأول للمثلث عند 3704 دولار، وإذا تمكن من تجاوزه، فقد يواصل صعوده نحو المستهدف الثاني عند 3785 دولار، وهو ما قد يدفع الذهب نحو تسجيل مستويات قياسية جديدة.
على الجانب السلبي، إذا فشل الذهب في الحفاظ على مكاسبه الحالية، فقد يختبر المستوى المحوري عند 3541 دولار. وفي حال استقرار الأسعار دون هذا المستوى، فمن الممكن أن تبدأ موجة تصحيحية هبوطية نحو مستويات الدعم التالية 3482 ثم 3378 دولار.
أهم الأخبار هذا الأسبوع
من ناحية الأجند الاقتصادية، يتجه التركيز هذا الأسبوع نحو مؤشر أسعار المستهلك لشهر أغسطس في الولايات المتحدة، والذي يعد مؤشراً أساسياً للضغوط التضخمية في الاقتصاد الأمريكي. ومن المتوقع أن تظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل، المقرر صدورها يوم الخميس، أن الأسعار نمت بمعدل 2.9% في أغسطس، بارتفاع طفيف عن 2.7% في يوليو.
عند هذا المستوى من التضخم، يُحتمل أن يواجه الاحتياطي الفيدرالي تهديدات مزدوجة تتعلق بتحقيق هدفه الأساسي المتمثل في تعظيم التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، مع الأخذ في الاعتبار أن المعدل المستهدف للتضخم طويل الأجل هو 2%.
حتى الآن، أشار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي، بمن فيهم رئيسه جيروم باول، إلى أنهم يميلون إلى إعطاء الأولوية لمعالجة تباطؤ سوق العمل على التضخم. ومن المتوقع أن يؤدي خفض أسعار الفائدة إلى تحفيز المزيد من الاستثمار والتوظيف، وإن كان ذلك قد يؤدي نظريًا إلى زيادة الأسعار على المدى القصير.


